القلق مترجم

تصور العيش فى خوف دائم ، الخوف من أن شيئا مجهولا فى غاية السوء سوف يحدث .
تصور أنك تعيش دائما محاولا استباق الاحداث محاولا التنبؤ ومن ثم تمنع او على الاقل تحضر نفسك للكارثة الوشيكه .
تخيل القلق الغير متناهى مما يمكن ان يسير بشكل خاطئ، عما ساء بالفعل ، الاخطار المعلومة وغير المعلومه ، الحوادث ، المصائب ، الاهانات والاخفاقات الاجتماعيه .
تلك هى حياة الاشخاص المصابين باضطرابات القلق . أعلم ذلك لأنني واحدة منهم .
الآن تخيل أنه فوق هذا الخوف والإرهاب ، العيش مع طبقات إضافيه من الاحساس بالذنب والعار و عليك أن تتعامل مع الاصدقاء والعائلة والمحيطين المصابين بالغضب والاحباط لانهم لايستطيعون أن يفهموا وليس لديهم المهارات المطلوبة للتعامل مع شخص مصاب بالقلق . فى العادة سوف يفقدون صبرهم ثم يبدأون فى اتهام الشخص القلِق بأنه يسعى لجذب الاهتمام .
دائما ما كنت مصابة بالقلق منذ أن كنت فتاة صغيرة وطوال هذه المدة اعتاد المقربون منى على تسميتى ب ( ملكة الدراما ) . كانوا دائما ما يسخرون منى ويصرخون فى وجهى ثم بعد ذلك يتجاهلونني ، ملوحين بأيديهم فى الهواء قائلين لأنفسهم ( إنها تفعل ذلك لأنها تريد جذب الإنتباه ) .
لقد كنت دائما ما أشعر بالحيرة والالم ، لان فكرة  جذب انتباه الاخرين لم تكن تخطر حتى على بالى ولم افهم لم كان الاخرون دائما يرددون بشكل متكرر أن ذلك ما أفعله . ماذا كان قصدهم ؟ فى العادة كنت أخاف جذب انتباه الاخرين حقيقة . إذا لماذا كانوا كلهم يتهمونني بهذا ؟
هناك احتمالات اما أنك تعرف شخصا مصابا بالقلق أو أنك تعانى منه شخصيا . تلك الحالة تتكرر فى عالم صمم المجتمع فيه بحيث لا يتم – بشكل غير مقصود – اشباع الاحتياجات الحقيقه لاعضاءه .أصبح العالم مكانا مخيفا وساحقا لهؤلاء الذين خلقوا أكثر عاطفة وحساسية عن الاخرين .
هذه التحيزات المسبقه ضد الاشخاص المصابين بالقلق سببها التفسير الخاطئ لسلوكياتهم . كما فى جميع الامراض العقليه فان السلوكيات ما هى الا اعراض و الاعراض لا يمكن التحكم بها لذلك فان الاشخاص المصابين بالقلق فى حاجه الى الاحساس بالتعاطف اكثر من احتياجهم للنقد من الاخرين .
الى وقت قريب لم اكن استطع ان احدد بوضوح عماذا كنت ابحث . لم يكن الاهتمام من الخرين بالتحديد هو ما ابحث عنه ، لكن اصبح لدى وعى ذاتى اكثر لارى ما الذى جعل الطريقة التى كنت اتصرف بها تعتبر محاولة لجذب انتباه الأخرين بالتأكيد . لقد كانت لدي حاجة ما لم ادري كيف افسر ما هيتها . لذلك فقد كنت ارسل رسائل لاصدقائى احدثهم على الهاتف ، اتوسل اليهم   ، اكتب كثيرا على وسائل التواصل الاجتماعى ثم اهرب الى عالمى المتمثل فى شاشة هاتفى منتظرة اعجاب الناس وتعليقاتهم على ما كتبت لتخبرنى أن كل شيئ على ما يرام . كنت اتمسك . اتشبث . كنت افعل الكثير ولكن ذلك لم يكن كافيا ابدا بانسبة لى .
لقد جربت فعل كل شيئ ثم فزعت وتراجعت ثم بدأت فى تجنب الناس لانى دائما ما كنت أشعر بالاحراج والقلق مما يقول الناس عنى . لسوء الحظ مازلت افعل هذه الاشياء اكثر مما ينبغى .
أدركت فى النهاية أنى انما كنت أبحث عما يعيد لى الطمأنينه .
فى صميم قلقنا يكمن سؤال واحد بلا اجابه : هل سأكون بخير ؟
هؤلا الذين يفتقدون القدرة على اقناع انفسهم بانهم فى امان وبخير . نحن لسنا جيدين فى طمأنة أنفسنا لذلك نبحث عن اخرين يحققون لنا تلك الطمأنينه . نأمل فى ان الناس القريبين منا يستطيعون منحنا الاحساس المفقود بالامان .
أخاف من ركوب الطائرات لذلك عندما اسافر بالطائرة فإنى أراقب المضيفات بهوس لأرى ان كانوا هادئين ولا يبدو عليهم الترقب أدرك حينها أننى أستطيع أن أطمئن لانه اذا كان هناك شيئ ما يسير على نحو خاطئ سيبدوا عليهم القلق ، اذا بدأوا فى الفزع حينها أعلم أن هناك مشكلة ما .
يستخدم الاشخاص الذين يعانون من القلق الناس فى حياتهم كمقاييس للكوارث ، نحن نعلم اننا لا نستطيع أن نصدر حكما صحيحا على موقف ما لذا فان كل من حولنا يصبحون مضيفاتنا المجازيات . عندما لا نستطيع ان نتجاوز الحواجز الكلامية للتعبير عن قلقنا فاننا نستخدم المقربين منا والذين نعتبرهم بالضرورة أشخاص طبيعين ليساعدونا على الاحساس بالامان .
كل ما نطلبه هو ان يخبرنا احدهم أن كل شيئ سيكون على ما يرام ثم يجعلنا نؤمن بذلك .
أعلم أنه ليس بالهين أن أهجر من أحبهم والالاف من الغرباء على الانترنت أعلم أن الأمر مرهق ان تكون حاضرا طوال الوقت خاصة عندما يبدوا قلقك كحفرة بلا قاع لا تكفى الشكوى والحب والعاطفة واللطف لجعلها تختفى الى الابد ، لتدعنا نعيش حياتنا بشجاعة فى الوقت الحاضر والى الابد . ثق بى نحن لا نحب أن نعيش هكذا نحن نكره هذه الدراما بالقدر الذى تكرهها انت .
لكن عليك أن تفهم أن ردود فعل الأخرين من الممكن أن تؤدى الى تفاقم تلك الأعراض دون أن يدركوا ذلك .
اذا كنت تعلم شخصا مصابا بالقلق ، فأنا أسألك أن تستجمع أكبر قدر ممكن من التعاطف والشفقة ، من فضلك حاول أنك تغير ادراكك لهذا الشخص من شخص يحب جذب اهتمام الاخرين الى شخص يبحث عمن يطمئنه ، اذا كان أحدهم خائفا وفزعا حتى لو بدا لك ذلك غير منطقى بشكل سخيف لا تبدأ بالقاء الاتهامات لكن من الممكن ان ُتشعره بالطمأنينة ، قد لا يبدو ذلك كافيا وبالطبع لن يحل المشكلة الى الابد لكن على الاقل لن يجعل الامور اصعب مما هى عليه وسيقدر لك هذا الشخص مجهودك تعاطفك معه .
القلق شيئ سيئ أعيش به كل يوم . كل منا في عقله بعض الغرابة ولكن بطريقة مختلفة . أحيانا أشبه قلقى بسيارة بها ناقل سرعة وفرامل معطلان وبالطبع أنا لست من هواة الترنح على الطريق بسرعة 120كم فى الساعة دون أن أكون قادرة على ايقاف السيارة والخروج منها .
دائما ما كنت أشعر بالحزن والمسئولية عن الطريقة التى يعاملنى بها الاخرون لكن اكتسبت بعض البصيرة عن السبب فى سلوكى مما أتاح لى تقديم التعاطف والمواساة للأخرين من حولى الذين يمرون بأوقات عصيبه مثلى . من الممكن أن نكون فزعين وقلقين لكن من الممكن ان نبدى بعضا من الطيبة والتفهم لمن حولنا فهم يحتاجونها كما نحتاجها تماما .
فى أقات معناتنا نستطيع أن نتوقف ونعطى أنفسنا استراحة من نقد الذات والاحساس بالذنب من فترة لأخرى من الممكن أن نكون غير قادرين على بث الطمأنينة فى نفوسنا لكن من خلال التدريب أن نحب أنفسنا وأن نعاملها بلطف .
اضطراب القلق شيئ مرعب ، غير مريح ، غير محبب ومحبط لهؤلاء الذين يعانون منه ولمن لديه شخص يحبه يعانى من تلك المشكلة أيضا . لكن بدلا من اللوم والشعور بالذنب نستطيع تغيير ادراكنا لنعطى التعاطف والطمأنينة لأنفسنا وللأخرين حينها نستطيع التقدم خطوة نحو الشفاء ليس فقط لأولئك الأشخاص الذين يعانون من القلق وانما للمجتمع كله .

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حجي جابر